الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
127
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا يحتمل أنه من لفظ الحكاية بأن يكون اليهود قالوا آمنوا بالذي أنزل على أتباع محمد فحوّله اللّه تعالى فقال على الذين آمنوا تنويها بصدق إيمانهم . ويحتمل أنه من المحكيّ بأن يكون اليهود أطلقوا هذه الصلة على أتباع محمد إذ صارت علما بالغلبة عليهم . ووجه النهار أوله وتقدم آنفا عند قوله تعالى : وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [ آل عمران : 45 ] . وقوله : وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ من كلام الطائفة من أهل الكتاب قصدوا به الاحتراس ألا يظنوا من قولهم آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار أنه إيمان حقّ ، فالمعنى ولا تؤمنوا إيمانا حقا إلّا لمن تبع دينكم ، فأما محمد فلا تؤمنوا به لأنه لم يتبع دينكم فهذا تعليل للنهي . وهذا اعتذار عن إلزامهم بأنّ كتبهم بشرت بمجيء رسول مقفّ فتوهموا أنه لا يجيء إلّا بشريعة التوراة ، وضلوا عن عدم الفائدة في مجيئه بما في التوراة لأنه من تحصيل الحاصل ، فينزّه فعل اللّه عنه ، فالرسول الذي يجيء بعد موسى لا يكون إلّا ناسخا لبعض شريعة التوراة فجمعهم بين مقالة : آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وبين مقالة : وَلا تُؤْمِنُوا مثل وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ [ الأنفال : 17 ] . وقوله : قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ كلام معترض ، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقوله لهم . كناية عن استبعاد حصول اهتدائهم ، وأنّ اللّه لم يهدهم ، لأنّ هدى غيره أي محاولته هدى الناس لا يحصل منه المطلوب ، إذا لم يقدّره اللّه . فالقصر حقيقي : لأنّ ما لم يقدّره اللّه فهو صورة الهدى وليس بهدى وهو مقابل قولهم : آمنوا بالذي أنزل - ولا تؤمنوا إلّا لمن تبع دينكم ، إذ أرادوا صورة الإيمان ، وما هو بإيمان ، وفي هذا الجواب إظهار الاستغناء عن متابعتهم . أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ . أشكل موقع هذه الآية بعد سابقتها وصف نظمها ، ومصرف معناها : إلى أي فريق . وقال القرطبي : إنها أشكل آية في هذه السورة . وذكر ابن عطية وجوها ثمانية . ترجع إلى احتمالين أصليين . الاحتمال الأول أنها تكلمة لمحاورة الطائفة من أهل الكتاب بعضهم بعضا ، وأن جملة قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ معترضة في أثناء ذلك الحوار ، وعلى هذا الاحتمال تأتي